الشيخ حسين بن حسن الكركي
45
دفع المناواة عن التفضيل المساواة
إلى أقصى غايته ، وتسنّم من كاهل المجد أعلى ذروته ، ورفعه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بما أثبته من تنبيهه على محلّه منه ونسبته ، وبيان هذه الجملة التي أسفر مخباها ، وإيضاح هذه المنقبة التي تضوع عرفها ، وفاح ريّاها ، وكشف غطاء هذه الفضيلة التي اتّفق لفظها ومعناها أنّه لمّا قال صلى الله عليه وآله « سلمان منّا أهل البيت » حصل لسلمان رضي اللَّه عنه بذلك شرف مدّ أطنابه ، ونصب على قمّة الجوزاء قبابه ، وفاق به أمثاله من الأصحاب وأضرابه . ولمّا ذكر عليّاً وخصّه ب « أنت منّي » سما به على تلك الرتبة ، وتجاوز به عن تلك المحلّة ، ولو اقتصر عليها كانت مع كونها متعالية عن رتبة سلمان رضي اللَّه عنه قريبة منها . فلمّا قال له : وأنا منك ، أتمّ المنفعة وكمّلها ، وزيّن سيرته بهذه الفريدة ، وجمّلها فإنّها عظيمة المحلّ ، ظاهرة الفضل ، يشهد بشرفه ومكانه ، ورجاحة فضله ، وثقل ميزانه ، وذلك لأنّها دلّت أنّ كلّ واحد منهما صلّى اللَّه عليهما أصل للآخر ، ونازل منزلته ، وانّه لم يرض أن يقتصر له عليه السلام بأنّ عليّاً منه حتّى جعل نفسه نفس علي صلّى اللَّه عليهما . وقد أورد ابن جرير الطبري وابن أثير الجزري في تأريخيهما أنّه صلى الله عليه وآله كان يقول لعلي عليه السلام في يوم أحد ، وقد فرّ من الزحف من فرّ ، وقرّ مع النبيّ من قرّ : يا علي اكفني أمر هؤلاء اكفني أمر هؤلاء . إشارة إلى الكفّار ، وعلي عليه السلام يجالد بين يديه باذلًا نفسه دونه ، خائضاً غمرات الحرب في نصره ، صابراً على منازلة الأقران ، ومصاولة الشجعان ، ومقارعة صناديد العرب ، ومصارعة فرسان الجاهليّة بعزم لا ينثني ، وهمّة لا تنى ، وبأس يذلّ مردة الطغيان ، ونجدة تقيّد شياطين الكفر في أشطان الذلّ والهوان ، فقال جبرئيل : يا محمّد هذه المؤاساة ، فقال : هو منّي وأنا منه ، فقال : وأنا منكما .